الخميس، 24 يناير، 2013

تبدأ أم تنتهي: العد التنازلي في مقابل العد كمنظور لأحداث حياتك.

كتبت هذا المقال في المدونة الإنجليزية منذ أكثر من سنتين وأحب أن أبدأ به بعد الانقطاع عن تحديث هذه المدونة.

قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنتَ منذ ستين سنة تسير إلى ربك؛ يوشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: مَن علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف وأنه مسئول، فليُعِد للمسألة جوابًا. فقال له الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة.. تُحسن فيما بقي يغفـر لك ما مضى؛ فإنك إنْ أسأتَ فيما بقي أُخذتَ بما مضى وما بقي.

وقيل "إنك إن عشت كل يوم على أنه آخر يوم من حياتك فإنك قطعا ستكون مصيبا في يوم ما"

كان عمر رضي الله عنه يردد دائماً ويقول : كل يوم يقولون مات فلان ، ومات فلان ، وسيأتي يوم وسيقولون مات عمر ..

وأذكر أن أحد المعارف سألني يوما عن عمري فقلت له ٣١ (في وقتها) فقال لي بل أنت لا تعرف كم عمرك ولكنك تعرف كم مضى منه فقط.

لربما تتمحور هذه البداية بشكل كامل حول النظر لحياتنا بصورتها الشاملة والمنتهية بنهاية عمر كل منا إلا أن هذا ليس بالضرورة فكرة هذا المقال ولكنها تؤصل له. منذ عامين مضت وفي ثاني أيام شهر رمضان الفضيل كتبت فيما كتبت من تهنئة للأصدقاء على الفيسبوك: "البداية والنهاية وجهان لعملة واحدة، فإن بداية أي شيء تعني بداية نهايته أو بداية العد التنازلي نحو النهاية .. إننا إن نظرنا لشهرنا بهذه الصورة علمنا أنه قد بدأ بالنهاية منذ الأمس". وقبل ذلك ببضع شهور كنت في نقاش مع عدد من الزملاء حول ما أسميه منظور العد التنازلي وهو النظر للزمن والأحداث في حياتنا كعد تنازلي نحو النهاية. 

هذا يعني أنك إن التحقت بوظيفة ما اليوم فإن أيامك في هذه الوظيفة قد بدأت في التناقص وتتناقص شيئا فشيئا مع كل يوم يمر عليك فيها حتى يأتي آخر يوم لك في هذه الوظيفة حتى لو كان بعد عشر سنوات من اليوم.

وكنت في هذا التوقيت منذ سنتين أنتقل من وظيفة لأخرى وارتبط ذلك بالعديد من البدايات والنهايات. إنني أؤمن أننا يوميا ربما نمر بالعديد من البدايات والنهايات في حياة أنفسنا والآخرين على مستوى أو آخر ولربما لا نلحظ ذلك.

وسؤالي هو كيف تنظر للأحداث في حياتك وكيف تفضل أن تنظر إليها؟ حينما تلتحق بعمل جديد، هل أنت تبدأ أم تنتهي؟ وهل مانسميه البداية هي بداية النهاية أم أنها نهاية البداية؟

لربما بداهة نعلق أن هناك بداية ونهاية ومدى زمني بين كل منهما ولكننا أيضا لربما نختلف حول حدود البداية التي تؤرخ لبداية هذا المدى الزمني أو لنهاية المدى الزمني الذي يحدد بداية النهاية. كما أنك في كثير من الأحيان ربما تصطدم بالنهاية بشكل غير متوقع فيصعب عليك تحديد هذه العناصر الثلاثة؛ البداية والمدى الزمني والنهاية.

إنني وبشكل غير مدروس ولكنه تلقائي غالبا ما اعتمدت في الغالب منظور العد ولم أستخدم العد التنازلي خاصة في الأمور التي لم يعرف أو لم يحدد موعد نهايتها. فإنني عادة اعتدت أن أقول أنا أعمل في هذه الوظيفة منذ سنتين ولا أقول تبقى لي من في هذه الوظيفة عام أو اثنين. إن هناك من الأمور ما نستخدم فيه منظور العد التنازلي بشكل أكبر مثل مدة الدراسة ومدد العقود ... إلخ ولا تستغرب إن وجدت الناس يستخدمون فيها منظور العد أيضا. لا شك أن كل منها مفيد عليك فقط أن تتذكر المنظور الأنسب للغرض المطلوب.

بما أننا أكثر اعتيادا على منظور العد فإنني سأتعرض لبعض النقاط فيما يتعلق بمنظور العد التنازلي وما يمكن أن يقدمه أو يطرحه لكل منا:
  1. منظور العد التنازلي يركز على النتائج بشكل كبير. فإنه ينظر إلى الوقت كمورد محدود في مقابل مجموعة من الأهداف المطلوب تحقيقها، فحينما تدق ساعة البداية فأنت تعلم أن المورد المتاح قد بدأ في التناقص وأنه يجب عليك أن تكون أكثر دراية ومراقبة لما يتوجب عليك إنجازه لنفسك وللأخرين.
  2. منظور العد التنازلي يركز وبشكل كبير على الخطوة التالية. هو لا يركز على النهاية لذاتها ولكن بهدف الاستعداد الأفضل للبداية القادمة. فهو يهتم بمدى الاستعداد للخطوة القادمة.
  3. إنك تسير نحو النهاية ونحو البداية الجديدة في آن واحد ولكل منهما متطلباته التي عليك أن تنجزها الآن.
  4. منظور العد التنازلي ليس تشاؤميا كما ربما يتبادر للأذهان من الوهلة الأولى، ولكنه منطق تفاؤلي في المقام الأول. إنه يسعى وبشكل فعال نحو نهايات مشرقة ومشرفة وبدايات ملؤها التحدي .. نحو مستويات جديدة من الصعوبة .. نحو التقدم وخوض آفاق جديدة.
  5. منظور العد التنازلي ليس بالضرورة مستدعيا للضغوط ولا جالبا للهموم، إنه مزيل حقيقي للضغط والتوتر. إنه يهتم بأن يجعلك تصل للنهايات وأنت في أتم استعداد وأن تكون أكثر استعدادا من غيرك للنهايات غير المتوقعة والمفاجئة وما يرتبط بها من أزمات.
  6. منظور العد التنازلي يعطيك معيارا واضحا يدعم في اتخاذ العديد من القرارات وخاصة تلك المرتبطة باستثمار وقت أو مال حيث يمكنك من الحكم على الأمور في إطار مدى إسهامها في رسم النهاية أو قيمتها في محطة الوصول أو في البداية الجديدة.
نهاية فإنك إن نظرت بشكل أكثر شمولا لحياتك بمنظور العد التنازلي فإنك ستصبح أكثر تركيزا فيما يتعلق بوجودك في هذه الحياة وهدفك منها ورسالتك. إنك بذلك ستصبح أكثر تركيزا على هذه النهاية وعلى بدايتك الجديدة بعدها لتجعل كل منهما أجمل ما يكون وأسعد ما يكون.

هناك تعليقان (2):

  1. سلاام ابو خالد وكما عهدناك فإنك دائما ما تحاول تنويرنا وتثقيفنا بنظراتك الفلسفية المبنية على واقعنا.. ولا استغرب أن لم أرى تعليق لهذا المقال المهم .. لأن عقولنا لم تعد تستوعب مثل هذه الاقاويل القيّمه .. امور الحياة وقساوتها لعبت في عقولنا حتى باتت لم تفرز بين الاولويات و"الحفاظات ومقاضي البيت" هههه .. طبعا رغم ان المقال بناء إلى أنه مخيف جدا جدا دائما ما يذكرني بقرب نهايتي الدنيوية ههههه اللهم أحسن خاتمتنا .. جمال الدين التجاني يوسف .. الرياض

    ردحذف
  2. أشكرك يا ابو خالد واشكر الطرح العميق في تسهيل مسألة ترتيب اولوياتنا .. رغم انه لم يعد هناك اولويات مع زحمة الدنيا ومشاغلها .. وبالتالي لم يعد لدينا مخيخ يقدر ان يستوعب بسهولة مثل هذه الطروحات هههه تعبنا يا شيخ من جيب "حفاظات للبيبي" وهات مصاريف المدرسة ههههههه ولكن تظل الافكار الجميلة مثل التي بين ايدينا تسحتق منا الاشادة والاستفادة .. نشكرك عليها .. وبعدين ياخي انا بصراحة لمن قرأت المقال انتابني الخوف .. لأنني عرفت من خلال المقال بأن نهايتي على وشك الاقتراب بصورة او بأخرى .. اللهم احسن خاتمتنا ..

    ردحذف